في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني، قتلت عناصر من دائرة الهجرة الفيدرالية الأمريكية في مدينة مينيابوليس مواطنًا آخر شارك في احتجاجات جماهيرية ضد حملات ملاحقة المهاجرين غير النظاميين. القتيل هو أليكس بريتي، ممرض يحمل الجنسية الأمريكية، كان يعمل في مستشفى مخصص لقدامى المحاربين، وحاصلًا على ترخيص قانوني لحمل السلاح. هذا الترخيص نفسه كان سبب مقتله، إذ أطلق عناصر فدراليون النار عليه فور علمهم بحيازته مسدسًا، رغم أنه لم يكن يهدد أحدًا به، ولم يحاول استخدامه.
وتُعد هذه الحادثة ثاني عملية قتل لمحتج خلال أقل من شهر. ففي السابع من يناير/كانون الثاني، وفي المدينة نفسها، قُتلت الناشطة رينيه غود بعدما اعتقد أحد العملاء الفدراليين أنها تحاول دهسه بسيارتها، فبادر بإطلاق النار بقصد القتل. وقد فارقت الأم، التي كانت تعيل ثلاثة أطفال، الحياة في مكان الحادث.
السلطات الرسمية، بما في ذلك الرئيس دونالد ترامب، تصف أفعال عناصر الهجرة الذين يطلقون النار على مدنيين بأنها «قانونية»، أو تكتفي بإطلاق وعود فضفاضة بإجراء «تحقيقات شاملة». وفي الوقت نفسه تقريبًا، وتحديدًا في 27 يناير/كانون الثاني، أعلن ترامب في أحد خطاباته أن «أرمادا رائعة أخرى» من السفن الحربية الأمريكية تتجه نحو إيران، تحضيرًا لهجوم محتمل على الجمهورية الإسلامية.
أما الذريعة، فهي الأكثر تقليدية في قاموس واشنطن: اتهام إيران بغياب الديمقراطية، وهو ما تراه الإدارة الأمريكية متجسدًا في ما تعتبره قمعًا صارمًا للاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد مؤخرًا.
حتى الآن، لم ينفذ ترامب تهديداته. ووفقًا لتصريحاته، فإن طهران تراجعت عن تنفيذ أحكام إعدام بحق موقوفين على خلفية الاضطرابات، خوفًا من التهديدات الأمريكية. غير أن التقلبات الحادة في مواقف الرئيس الأمريكي، وسرعة انتقاله من موقف إلى نقيضه، تجعل من المبكر على المرشد الأعلى علي خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان الشعور بالاطمئنان. فلا يمكن استبعاد أن تمطر القنابل «المحمّلة بالديمقراطية الأمريكية» رؤوس الإيرانيين، في محاولة لصرف أنظار الرأي العام داخل الولايات المتحدة عن أزماتها الداخلية.
ويزداد إغراء توجيه ضربة لإيران في ظل الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة في الثالث من يناير/كانون الثاني على فنزويلا، والذي شمل قصفًا صاروخيًا لأراضيها واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو. هجوم وُصف بأنه فاضح من حيث انتهاكه للقانون الدولي، لكنه كان ناجحًا من منظور واشنطن، ولم يلقَ إدانة واسعة من النخب السياسية العالمية.
وفي جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي عُقدت بعد يوم واحد لبحث الوضع في فنزويلا، لم تُدن تصرفات الولايات المتحدة سوى الدول الخارجة عن فلك الهيمنة الأمريكية، وفي مقدمتها الصين وروسيا. أما أوروبا، الخاضعة لارتباط تبعي وثيق بواشنطن، فاكتفت بالتعبير عن «قلق عميق» ودعت الولايات المتحدة إلى الالتزام بالقانون الدولي، وهو قانون لطالما تجاهلته واشنطن مرارًا عندما تعارض مع مصالحها.
ولعل هذا الموقف ليس مستغربًا من اتحاد أوروبي عاجز، لم يتمكن من حماية فنزويلا البعيدة عنه ثقافيًا، ولا حتى حماية جزيرته الخاصة، غرينلاند، من أطماع ترامب. ويكفي دليلاً على ذلك الانتقال السريع للأوروبيين من الإنكار والغضب والاكتئاب إلى مرحلة تقبل رغبة «العم سام» في الاستحواذ على «قطعة من الجليد الدنماركي»، وهو التعبير الذي استخدمه رئيس البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي للإشارة إلى الجزيرة الشمالية.
وعلى عكس إيران، التي تغلف الولايات المتحدة عدوانها المحتمل ضدها بخطاب ديمقراطي شكلي، فإن واشنطن لا تخفي في حالة فنزويلا أن الهدف الحقيقي للهجوم هو احتياطاتها الهائلة من النفط. لا شيء شخصيًا، بل مجرد أعمال.
لكن إيران تعاني من «المشكلة» نفسها، أي وفرة الموارد الطبيعية. ففيها يكمن السبب الحقيقي للاهتمام الأمريكي غير الصحي بشؤون الجمهورية الداخلية، والسعي لاستبدال سلطتها القائمة بنظام موالٍ، يتيح لواشنطن ضخ النفط والغاز وغيرهما من الموارد بلا عوائق وبأثمان زهيدة.
بل إن ترامب صرح صراحة في 28 يناير/كان الثاني باستعداد القوات البحرية الأمريكية للتعامل مع إيران بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع فنزويلا. وتحت هذا الضغط، اضطرت السلطات الإيرانية إلى الإعلان عن نيتها بدء مفاوضات مع الولايات المتحدة، في محاولة لتأجيل التهديد العسكري.
ولا تقف دائرة الاستهداف عند إيران وحدها، بل تشمل دولًا نفطية أخرى، بل وجميع الدول التي تدافع عن مصالحها الوطنية بدل الخضوع للمصالح الأمريكية. ففي أي لحظة، قد تشتعل فيها احتجاجات جماهيرية تُدار من قبل أجهزة الاستخبارات الأمريكية. وعندما تسعى السلطات المحلية إلى ضبط هذه الاضطرابات، ستواجه إدانة شديدة من واشنطن، التي تغض الطرف في الوقت نفسه عن قمع الشرطة الأمريكية للمتظاهرين داخل أراضيها.
هكذا تُمارَس سياسة المعايير المزدوجة، بلا مواربة.
كل ما يكتب في هذا القسم يعبّر عن رأي الكاتب فقط
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك