يقول محللون سياسيون بأنه في خضم ما تعيشه ليبيا من حالة إنسداد سياسي وعدم وضوح أفق لإجراء إنتخابات كانت قد فشل إجراؤها نهاية العام الماضي، تسعى حكومة الوحدة في العاصمة طرابلس وبقيادة عبدالحميد الدبيبة الى تحصين نفسها وتدعيم نفسها أمام الرفض المحلي والشعبي لها، عبر عقد الإتفاقيات مع حليفتها الأبرز تركيا.
وبحسب المحللين فإن تركيا صاحبة النفوذ الأكبر في ليبيا تقوم بتحقيق مصالحها الإقتصادية والجيوسياسية في الدرجة الأولى، ولا تكترث لما يعانيه الليبييون من فوضى أمنية وسياسية في بلادهم لأكثر من عشر سنين. حيث اعتبر وزير الطاقة التركي “فاتح دونمز”، أن الآفاق قد فُتِحت لبلاده حتى تصبح من مورّدي الغاز الطبيعي إلى العالم، بعد توقيعها مذكرة التفاهم مع الحكومة منتهية الولاية، برئاسة عبدالحميد الدبيبة.
وفي هذا الصدد قال “دونمز”، أن ليبيا “فشلت” في الاستفادة من فرصة امتلاكها لأكبر احتياطيات النفط والغاز في شمال إفريقيا، بسبب صراعاتها الداخلية، في الوقت الذي لعبت فيه تركيا دورًا مهمًا في إرساء السلام والاستقرار هناك، على حد تعبيره.
يذكر أن تركيا وقّعت في 3 أكتوبر 2022، ثلاث مذكرات تفاهم مع حكومة الدبيبة، في مجالات الطاقة والأمن والإعلام، وذلك خلال الزيارة التي قام بها وفد تركي رفيع المستوى إلى طرابلس. بيد أن أهم هذه المذكرات هي تلك المتعلقة بالسماح لأنقرة بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية الليبية، وذلك بعد نحو ثلاث سنوات من اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوفاق الوطني السابقة.
لتُثير هذه المذكرات ردود فعل كبيرة من قِبل الأطراف الداخلية الليبية، وكذلك العديد من الدول الأخرى. فقد أعلنت مصر واليونان عن رفضهما لهذه المذكرة، ومعارضتهما أي نشاط في المناطق المتنازع عليها في شرق المتوسط. وأعلن البرلمان الليبي عن رفضه المذكرات، وطالب بعدم الاعتداد بها، كونها صادرة عن حكومة منتهية ولايتها، محذراً من أن هذه الاتفاقيات تشكل تهديداً للاستقرار في منطقة شرق المتوسط.
كما أصدر العديد من أعضاء مجلس النواب بيانات أدانت الإجراءات التركية، مؤكدين خلالها عدم شرعيتها. وفي الإطار نفسه، عبّر رئيس حكومة الاستقرار الوطني المكلفة من قِبل البرلمان، فتحي باشاغا، عن عدم الاعتراف بهذه المذكرات، واصفاً إياها بأنها تمثل تهديداً للسلم والاستقرار في ليبيا. وعلى المنوال ذاته، اعتبر المجلس الرئاسي الليبي، برئاسة محمد المنفي، أن أي اتفاقيات دولية يجب أن تُبرم من خلال المجلس، فضلاً عن اعتراض نحو ثُلثي أعضاء المجلس الأعلى للدولة على هذه الصفقة أيضاً.
وفي السياق، أشار تقرير تحليلي نشرته مجلة “ميدل إيست مونيتور” البريطانية، الى أن تركيا ستبقى لاعبًا رئيسًا في تحديد مسار ليبيا المستقبلي. ورجح التقرير عدم تخلي تركيا عن الحفاظ على وتنفيذ أي صفقات تم إبرامها مع ليبيا لامتلاك الأخيرة إمكانيات هائلة من النفط والغاز والمعادن الأخرى ولموقعها البحري الإستراتيجي ومنطقتها الاقتصادية الخالصة الكبيرة قياسًا بنظيرتها التركية.
وبذلك، فإن المسار السياسي الذي يرسمه الليبييون بعزل حكومة الدبيبة، هو المسار الضامن لمستقبل ليبيا. فإرتباطها بتركيا التي لا تزال تملك أسلحة وقوات ومرتزقة على الأراضي الليبية، تحقق أجندة الأتراك وأهدافهم الخبيثة. وعلى صاحبي القرار في ليبيا إستقصاء العبر من تصريحات المسؤولين الأتراك والتحرك من أجل إعادة البلاد الى مسارها السياسي وإقامة الانتخابات المنتظرة وعزل جميع المتنفعين في السلطات.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك