الرسالة…

قصة نور نديم عمران

[هكذا تكون الصورة عندما يكون التقدم ممن تحب مؤلماُ ومستحيلاً، والرجوع عن دربه كذلك، والثبات على الحال معه أشد إيلاماً واستحالة.
هكذا هي حال قلبي معك،لاهو قادر أن يقترب لتحتويه في قلبك،ولا هو قادر أن يتراجع ليخرجك من نبضه،ومابين الألمين تظل روحي عالقة في هذا البرزخ …
ما أقسى هذا الموت الذي لاينتهي ! إنه يولد كل صباح ليدفنني ليلاً في ظلمات الوجع والخيبة..

كل المتهمين يحاكمون ويعدمون مرة واحدة ،ووحده قلبي يعدم باستمرار من دون محاكمة،لم يسأله أحد كيف ارتكب جناية حبك،لم يبحث أحد في ملابسات القضية ،فالقضية منتهية قبل أن تبدأ،والمحاكمة وإن جرت لن تكون عادلة في حق أحد،لذا كان قلبي كبش فداء عن الذين تلطخت أيادي أرواحهم بدماء روحي ].
نظر ربيع في صورة عصفور عالق في الزجاج وأعاد قراءة الرسالة التي كتبت على ظهر الصورة ثانية وثالثة وعاشرة لم يعد قادراً بعدها على تبين شكل الحروف التي ضاعت في لون أحمر زكي…
تلمس جسده ،سأل نفسه عما يحدث ،(هل أصبت ، هل يقصفوننا أولاد ال… ؟!)
ونهض ينفض عنه ماتراكم من أثاث الغرفة الضيقة..

تذكر صديقه حسن في المحرس،نسي جراحه ،وضع الصورة الرسالةفي جيب سترته وركض نحو زملائه المناوبين …
عاد القصف مجدداً ،واختنقت الأمنيات العاشقة في عيون همها حماية سماء الوطن وأرضه،وماكاد ربيع يصل إلى أول شخص من بين المصابين حتى لفظ الجندي أنفاسه وهو يشير إلى آخر مصاب علقت ساقه تحت أنقاض، بينماكانت عيناه تؤكدان أن لا أمل له في النجاة،متمنياً على ربيع أن ينصرف لمساعدة الآخر.
كانت أم ربيع تسميه عصفوراً، وأحيانا تلقبه بالدوري لخفته ورشاقته في الانتقال والتملص بسرعة من أي مأزق كعصفور الدوري الذي يخرج نفسه من أي مكان يعلق فيه،لكن ربيع هذه المرة لم يكن عصفوراً عالقاً وحسب ،كان نسراً قُص جناحاه وهو يحاول عبثاً إنقاذ رفاقه الذين فقدوا أجزاء من أجسادهم في معركة غير متكافئة في العتاد والظروف والعدد..

وجد نفسه محاصراً بين جثمانين لاثنين من أعز رفاقه ،والثالث ينزف على مرأى منه وكلاهما عاجز عن الوصول إلى الآخر.
تذكر فجأة رسالة زينة،التقدم مؤلم ومستحيل، والتراجع كذلك …والبقاء على الحال ذاتها أشد إيلاماً.
لو تعلم زينة كم أحبها ،وكيف ابتعد عنها ليمنحها فرصة حياة جيدة من دونه !
حياته ليست ملكه ،لذا كان لابد أن يهجرها ويدعي القسوة …لقد آلمها بالفعل ،إنه يعلم ،لكنها لاتعلم بمقدار حزنه وألمه في بعده عنها.
نظر إلى رفيقيه اللذين انطفأ النور في أعينهما وبكى ….
ما أقسى هذا الموت الذي لاينتهي !

كان زميله حسن يفقد وعيه وقد خسر كميات كبيرة من الدماء، وفرصة نجاته ستكون قليلة إن لم يصل إليه و يغلق له جرحه المفتوح،لكن ثمة نقطة مكشوفة للأعداء قبل الوصول إليه،فهل يتركه لأقداره أم يعرض نفسه لخطر قناصة تترصد بهم من بعيد.
كانت زينة أشبه بحلم مستحيل ،عرفها بعد انتقالهم للسكن في الساحل منذ بداية الحرب الإرهابية على سوريته،كانا يافعين عاشقين يحملان أحلام الكون في أعينهما البريئة ،لكن استشهاد شقيقه جعل لون الحياة أسود في عينيه،وزاد الظلام باستشهاد صهره وبقاء أخته أرملة شابة تتقاذفها أمواج الحياة القاسية بينما هي تحاول تربية طفليها في أجواء اقتصادية واجتماعية خانقة.

نظر نظرة خاطفة حوله والتف كعصفور رشيق وسبق رصاصة القناص التي لحقته وهو يتجاوز النقطة المكشوفة ليصل إلى زميله حسن ،أسرع في إسعافه وصنع رباطاً شده على ساقه ليوقف النزيف ،حدثه ليستفيق …حاول بث الأمل فيه ريثما تصل المؤازرة والإسعاف، لكن وضع ساق حسن زاد سوءاً ،فطلب من ربيع أن ينجو بنفسه لأن فرصته أكبر من دونه .

أبى ربيع أن يترك صديقه ويرحل ،لكن حسن أصر عليه أن يذهب ،على الأقل ليدل المسعفين إلى مكانهم.
عاود العصفور الدوران والالتفاف لكن رصاصة الغدر
كانت أسرع منه هذه المرة وسقط صريعاً في المنطقة المكشوفة.
كانت عينا زينة أكثر اتساعاً من أي مرة سابقة رآها فيها،ربما بسبب ابتسامتها التي ملأت وجهها …أتراها تبتسم حقاً أم أنها تبكي ؟!
لم يتبين حقيقة مايجري ،لكنه كانت مرتاحاً لرؤيتها وهو يغمض عينيه ويغفو للأبد متملصاً كعصفور ذكي من لعبة الموت والحب .

كان صوت حسن يتحشرج مع أنفاسه ويختنق وهو بالكاد يصدر صوتاً وينادي على ربيع لكيلا يموت ويعود إليه،لكنه ظل عالقاً حتى الفجر في قفص الألم والحزن وفي يديه رسالة حمراء كانت قد سقطت من جيب سترة ربيع التي مزقها حين جاء يسعفه فجعلها رباطاً ليوقف نزيف جراح ساقه، لكنه رحل تاركاً وراءه جراح الروح مفتوحة للأبد .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

function storypress_add_og_tags() { if ( is_singular() ) { global $post; setup_postdata( $post ); $title = get_the_title( $post->ID ); $desc = has_excerpt( $post->ID ) ? get_the_excerpt( $post->ID ) : wp_trim_words( wp_strip_all_tags( $post->post_content ), 25, '...' ); $url = get_permalink( $post->ID ); $img = has_post_thumbnail( $post->ID ) ? get_the_post_thumbnail_url( $post->ID, 'full' ) : 'https://storypress.online/wp-content/uploads/default-og.jpg'; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; wp_reset_postdata(); } } add_action( 'wp_head', 'storypress_add_og_tags', 1 ); function storypress_add_og_tags() { if (is_single()) { global $post; $title = get_the_title($post->ID); $desc = has_excerpt($post->ID) ? get_the_excerpt($post->ID) : wp_trim_words(strip_tags($post->post_content), 25, '...'); $url = get_permalink($post->ID); $img = has_post_thumbnail($post->ID) ? get_the_post_thumbnail_url($post->ID, 'full') : 'https://storypress.online/wp-content/uploads/default-og.jpg'; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n"; echo ''."\n function storypress_dynamic_og_tags() { if ( is_singular() ) { global $post; // العنوان $title = get_the_title($post->ID); // الوصف if ( has_excerpt($post->ID) ) { $desc = get_the_excerpt($post->ID); } else { $desc = wp_trim_words( wp_strip_all_tags( $post->post_content ), 25, '...' ); } // الرابط (ديناميكي دائماً مع أي هيكلة روابط دائمة) $url = get_permalink($post->ID); // الصورة if ( has_post_thumbnail($post->ID) ) { $img = get_the_post_thumbnail_url($post->ID, 'full'); } else { // ضع هنا رابط صورة افتراضية تظهر إذا المقال ما فيه صورة بارزة $img = 'https://storypress.online/wp-content/uploads/default-og.jpg'; } // طباعة الوسوم echo "\n\n"; echo '' . "\n"; echo '' . "\n"; echo '' . "\n"; echo '' . "\n"; echo '' . "\n"; echo '' . "\n"; echo '' . "\n"; echo "\n"; } } add_action( 'wp_head', 'storypress_dynamic_og_tags', 5 );