قصة لـ الكاتبة نور نديم عمران
شعوري بأني ألمس صفحات عانقت دفء أصابعك، وأقرأ كلمات تعمّدت حروفها بطهر نظرك…كل ذلك يمنحني جناحين لأحلّق بعيداً في سماء رسمتُ حدودها لأتقاسم فيها لحظات النقاء والجمال الإنساني مع روحك.
ها أنا ألثم كل صفحة، وأتحسس لمساتك الرقيقة فوقها، أشم رائحة التبغ التي علقت ما بين أصابعك وزوايا الورق…أشم رائحة وقارك وأضمّها مع كل تنوين ضمّ ،وأشدها إلى روحي مع كل شدّة علت حرفاً، أجرّ الحياة إلى الكلمات العادية، وأنصب خيامي عند كل جملةٍ أظنك توقفت عندها.
أضحك مع عبارات أعلم أن ابتسامتك الخجولة ظهرت عندها، وأبحث عن مواطن البلاغة والإبداع التي أتوهم أنها جذبتك.
ينتابني إحساس بأني الآن أقوم مقام عينك وقلبك وأصابعك.
يا ألله …ما أجمل هذا الإحساس وما أشدّ إيلامه!
أن نكون ولا نكون، أن نبقى حبيسين ما بين السطور…حبيبين ما بين السطور عالقين دائماً ما بين الألفاظ التي تؤوّل بألف معنى.
هذا الكتاب الذي أعرتني إياه يوماً لن أكون قادرة على رده إليك ، الأمر أشبه بسحب الروح من الجسد ،فلقد كان شاهداً على كل لحظات الضعف والقوة والحب التي عشتها، لقد تمازج حبره مع دمي ودمعي لأشهر طويلة.
ترى لو أعدته إليك ، هل ستلثمه شوقاً إلي؟
هل ستبحث عن أثر قد تقصدت تركه لك…؟
أتنتظر وردة خبأتها بين أوراقه أم دمعة؟
لن أرد إليك كتابك يوماً، لأني إن فعلت فلن تحصل عليه وحيداً، بل إنك ستحمل بين دفتيه ما بقي في روحي من ضياء…وأظنك لا تريد أن تفعل.
كم أود لو أعطي روحي حرية الانعتاق من جسدها، لأني كلما ابتعدت عن جسدي اقتربت منك…
إنها تمطر في نيسان…وكأن الشتاء لم يقتنع بعد بأن أوان رحيله قد حان، يتكئ (نجم) على الحائط المجاور لباب القاعة ،ينظر لساعته ويحدّث نفسه:
…..لم تأت بعد، تأخرت على غير عادتها، إنها لا تفوّت محاضرة نظرية مذ عرفتها، فكيف ستفوّت مناقشة بحث صديقها المفضل.
حاول الاتصال بها، لكن صوت المجيب الآلي انبعث مرعباً كالقضاء المستعجل.
دخل القاعة الكبيرة ، بحث عن مكان شاغر لشخصين وجلس ينتظرها.
عندما دخلت (جواهر ) من ذلك الباب الذي كان جامداً إلى ما قبل لحظات، دبّت الحياة في أوصاله، وتفرعت عشرات الأغصان حوله، وأزهرت ورود نيسان بعطرها المنعش.
كان لدخول جواهر بهجة زفة عروس، أو تتويج أميرة أوغاريتية، اتجهت كل الأنظار إلى دخولها الدرامي وانقسمت ما بين حاسد ومشته وغابط وناقم..
جواهر….ليست كل الجواهر ثمينة، وليست تضيء كلها، لكن جواهر هذه تشعّ بقوة ألف نجم في فضاء روحه اللامنتهي.
انزرعت الشابة العشرينية مثل سنبلة غضة في تربة قلبه، فأزهر مقعده كما الباب ….وشعر أنها بجلوسها إلى جواره قد منحته إقامة ذهبية في الجنة.
دخلت( نارين) تحمل في يدها الخدرة الكتاب وقد ضمته بشغف إلى صدرها، كانت تتلمسه بشوق قبل أن يفارقها، كانت لازالت تفكر كيف ستعيد لنجم كتابه، الأمر خانق، كيف ستنام الليلة من دون أن تتوسده وتقرأه كتعويذة ماقبل النوم….لكنه كتابه وهو يحتاجه لإتمام بحثٍ كلّفه به الدكتور.
جالت بنظرها على مقاعد القاعة المكتظة بالطلاب بحثاً عن رفيقها…لمحته فتدفقت مياه الفرات في أوردتها، وانطلقت لتأخذ مكانها إلى جانبه مثل العادة، خانتها عيناها فلم تكن ترى سواه في ذلك المقعد المزهر ، لكنها فجأة أدمت روحها بأشواك وردة أخذت مكانها.
لم ينتبه نجم لحضور نارين ،فلقد كان مشغولاً بحضورٍ آخر استحوذ عليه كلياً.
هل يعقل هذا؟!
نجم يجلس مع جواهر ولا ينتبه لوجودي… لابد أنه اضطر لمجاملتها، لا يمكن أن ينجرف وراء مظاهر خادعة، إنه أذكى من ذلك.
هاهو ذا..سأصغي إلى الملخص الذي سيقدمه، لن أدع شيئا ً يفسد مناقشته…
يا الله ما أعذب صوتك يا نجم!، قدرتك على التحدث بلغة فصيحة سليمة تروق لي.. ما أبهى طريقتك في شرح بحثك والرد على كل سؤال بذكاء وخفة ،حتى تهربك من الإجابة على بعض الأسئلة كان يمر من دون أن يشعر أحد به سواي، فأنا وحدي أحفظك وأعرف أساليبك السحرية.
يتبادر إلى ذهني سؤال
يحيرني يا نجم ،هل نحن نتكرر في حالات عشقنا؟!
بمعنى إن فشلنا في علاقة ما أوخسرنا حبيباً ما هل نبحث تالياً عن آخر يشبهه من دون أن نشعر؟
بالكاد أفرق بينك وبين عابد، عابد حبي الأول، كان طالباً في الثانوية يكبرني بعامين ، له اتزانك ودقتك في تنظيم تفاصيلك الصغيرة، واندفاعك في خدمة من يقصدك.
إنكما متشابهان حد التطابق، هل بحثت عنه فوجدته فيك ،وعشقته فيك.
الغريب في الأمر أو ربما ليس غريباً أنكما معاً تشبهان والدي، أوليست كل فتاة بأبيها معجبة؟!
كان والدي عفران ،رجلاً محترماً في مدينتنا عفرين، وقد أطلق عليه جدي هذا الاسم تيمناً بها،ومازال كثيرون يلفظون اسم عفرين بشكل “عَفْران “، وهو بقايا الأعشاب والأشجار والزبد الترابي اللون الذي يطفو على صفحة النهر في أثناء فيضانه.
ما أسخفني ! وكأنني ألقي محاضرة في التاريخ أو العلوم…
نعم يا نجم …لقد أحببت فيك والدي الذي فقدته في ليلة باردة ، رأيت فيك عنفوانه ،حكمته، طيبته ومبادئه التي لا يحيد عنها.
أحببت فيك عابد …وجعي الأول الذي آلمني خذلانه غير المتوقع لي ، لم يكن مثل أبي تماماً ، فمن المستحيل أن يخون أبي شخصاً وثق به أبداً.
هل ستتخلى عني يا نجم ،هل ستتركني لأقداري وحيدة كما فعل بي عابد ؟!
نزل نجم عن المنبر وقد نبت له ذيل طاووس جرّه خلفه على طول الممر، بعدما انهالت عليه كلمات الثناء والمديح لجهده الكبير في إنجاز بحث غير مسبوق.
كان ذيله يتطاول كلما اتسعت ابتسامة جواهر وانكشفت أسنانها اللؤلؤية، التفت فجأة وقد استدرك أمراً ،نارين …صديقته الغالية، هل خذلته اليوم ولم تأت؟
إنه يعرف حجم الضغوطات التي تتعرض لها ، فهي تعمل إلى جانب دراستها لتساعد أسرتها النازحة من ريف حلب منذ بداية الأحداث، لكنه تمنى حضورها، فلقد جمعتهما صداقة كبيرة منذ سنتين ولم ينفصلا أبداً، كان متحمساً ليخبرها بشعوره بعد مجالسته لجواهر وحواره معها.
لم يرها ….ليست هنا، لم يلحظ وجودها، مرّ بنظره عليها كأنها شبح غير مرئي، لذا خرج من القاعة برفقة كنزه الجديد كما توهم من دون أن يعاود البحث عن صديقته القديمة.
نجمي يأفل هكذا من دون أن أحظى بشعاع ضياء…ههه…
هل غادرتَ حقاً ولم تستطع عيناك الضيقتان أن تلتقطا حضوري؟!
نجم…لقد كنت أصغي إليك حتى بأنفاسي، كنت ألتقط أنفاسك المبعثرة في تلك القاعة وأميز رائحة عطرك عن روائح عشرات الحاضرين، أستمتع بحركة أصابعك وأنت تعبث بأزرار حاسوبك المحمول.
عجيبة قدرة المرأة على التقاط كل التفاصيل في زمن واحد….ربما ذلك بسبب قدرتها الكبيرة على الحب.
كل ذرة في تكويني كانت مأخوذة بك وأنت تسطع في فضاء الزمان والمكان ليستحوذ ضياؤك على وجودي.
كيف لم تلمحني إذا؟!
أود أحياناً لوأقطف قلبي من صدري ، وأضعه بين يديك …لكن قربك الشديد مني يجعلك بعيداً أيضاً.
فنحن صديقان حتى العظم منذ سنتين ،لكننا لم نجرؤ على الانتقال للخطوة التالية بعد، أو لعلي الوحيدة التي تشعر بهذا الحب ،وأنت الوحيد الذي يستمتع بميزاته.
لم يتردد نجم في دعوة جواهر لتناول شيء في المطعم المركزي للجامعة، بل اندفع كسيل بري من جبل عال ،وبدأ محاولاته الجادة لتوثيق العلاقة معها، أليس هذا حلم كل شاب في الكلية؟!
رفضت جواهر دعوته في البداية ، ثم أخبرته أن لديها موعداً بشأن بحثها لذا ستكون مضطرة لوداعه ولقائه لاحقاً، فلم يتركها من دون تحديد موعد آخر، ثم ودعها منصرفاً لشؤون خاصة خارج الجامعة.
اتجه نحو الباب الخارجي لكلية الآداب بينما عادت هي إلى الكلية لملاقاة صديقة كما أخبرته.
مشى لدقائق شارد الذهن ،ثم تذكر (نارين )،فأراد أن يطلعها على أحداثه الجديدة ويستفسر عن غيابها .
هتف لها وانتظر ،لكنها لم ترد ،فعاود الاتصال وقد شغله غيابها ،لم يلق الرد ،فالتف عائداً إلى الكلية للبحث والسؤال عنها.
عندما دخل القاعة الكبيرة ، صدمه وجودها بعدما أخبرته زميلة ما أنها مازالت في القاعة منذ الصباح.
اتجه إليها موبخاً: أين كنت يا ناري وجنتي أنت؟
ابتسمت بدهشة باردة، متسائلة عن سبب عودته بعدما رحل برفقة الشمس، فعلّق: إذاً لقد رأيت ذلك….أكاد لا أصدق، جواهر تجلس قربي وتحادثني وتتفق معي على موعد لقاء…
يا إلهي …الموضوع أشبه بحلم، لا يمكنني وصف شعوري وهي قربي، كنت أسمع دقات قلبي ،وأصغي إلى أنفاسها…قد لا تصدقين يا نارين ،لم أكن أرى أو أستوعب شيئاً مما يجري من حولي سوى حقيقة وجودها إلى جانبي.
خدرتني برائحة عطرها، لا أعرف كيف نهضت من جوارها لمناقشة بحثي، كنت أتحدث إليها وحدها طوال الوقت، لم يعنني سوى إعجابها وثناؤها.
سنوات وأنا أبحث عن فرصة للحديث معها ،لكن خجلي من الصد كان يمنعني.
ظلت نارين تستمع لصديقها باهتمام مبالغ فيه، وتتأثر مع كلامه وفرحه، محاولة إخفاء غصة علقت في حنجرتها وروحها، ثم غادرا القاعة إلى المطعم المركزي من دون أن يتوقف لحظة عن الحديث عن جواهر ومن دون أن تملك الجرأة لتفتح فمها بكلمة فتظهر غصتها ودمعها.
كانت المطعم مكتظاً بمئات الطلاب وبالكاد قد يتمكن المرء من العثور على طاولة.
تسمر نجم في مكانه فجأة وعلت وجهه نظرة جمود وذهول، فنظرت نارين إلى حيث ينظر ، ورأت جواهر تجلس في آخر زاوية في المطعم مسندة رأسها إلى كتف شخص ما، وظهرها للعالم كله. كانت يد الشاب تعبث بشعرها وتفاصيل أخرى منها، لكن من الواضح أنهما كانا منفصلين تماما ً عن كل ما حولهما.
انهار فضاء نجم دفعة واحدة وهوى كشهب خافت على أرض الحديقة بعدما خرج مسرعاً برفقة نارين ليتخلص من الجو الخانق في المطعم.
جلست نارين تخفف عن نجم آلامه وخيبته، وقد فجع بقصة حب لم تبدأ بعد ، كان موجوعاً بطريقة مذهلة، وكأن قصة طويلة جمعته بالفتاة ،ثم خانته مع آخر.
لقد اعترف لنارين أنه أحمق كبير ، سمح لنفسه بتوهم مشاعر لا يحق له بها، وأن عليه أن يكون منطقياً وواقعياً ،فلا يحمّل جواهر وزر استغنائها عما لم تشعر به أصلا ، لكنه ليس بقادر على فعل ذلك حقاً…على الأقل في وقته الراهن، وشكر الله على وجود نارين صديقته الصدوقة إلى جواره في هذه المحنة.
الغريب أن نارين لم تبتهج لفشل نجم العاطفي، ولم تجد في ذلك فرصة لحبها ليعيش مجددا ً.
لقد تألمت لأنها تعرف حقيقة هذا الشعور حرفياً.
لم تقدر أن تلومه فهذه قضية مشاعر لم تصله منها، كما لم تصل جواهر منه.
لذا أعادت إليه كتابه مع ابتسامة وهي تقول: توقف عن هذه التراجيديا، وهيا لنتناول شيئاً خارج الجامعة على حسابي، وخذ كتابك فقد انتهيت منه تماماً.
نظر نجم إليها بحنين: لا يمكن أن تكوني إلا أنت في أي ظروف ، شكراً لوجودك قربي حتى عندما لا أراك، كنت متضايقاً لأني ظننتك لم تحضري مناقشة بحثي، لكنك تثبتين دوماً أنك أفضل مني.
لست بحاجة الكتاب الآن اتركيه معك قد تحتاجينه، وهذه النسخة المخطوطة بيدي من بحثي، يسرني أن تحتفظي بها…ستساعدك كثيراً في إتمام بحثك.
احتضنت نارين الكتابين بحذر وذهول ومضت إلى المجهول، وقد نشبت معركة بينها وبين روحها المتسائلة عن كيفية التعامل مع حروف خطتها يد حبيبها
وحملت الكثير من روحه وفكره وجهده.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك