بقلم: رند رضوان
في شَارعٍ منْ شوارِعِ دمشقْ ، السّماءُ مليْئةٌ بالبارِق والغيثُ يُملي المَكانَ خيراً .. كَانتْ أوّل زِيارةٍ لي لِدمشق بعدَ غِيابٍ امتدَّ لأكثَرِ من عشرِ سَنوات ، أتذَكّر هَذا الحَيّ كَما لَو أنَّني كُنتُ هُنا البَارحَة ، رَائحَة البُنِّ نَفسُها ، واليَاسمينُ الدّمشقيّ مَازَال مُنتثِراً في كلِّ رُكن ، وتِلكَ المُوسيقَا القَديمَة لَم تُبطَل ، وصَاحبُ النَّاي لازَالَ يَعزِفُ لِأولـٰئكَ العَاشِقَيْنِ كَي يَرقُصا ويُضفِيان مَشاعِر الحُبِّ في أرجَاءِ هذهِ الشّوارع العَتيقَة ، صَوتُ المَطر وهو يَهطُل على الأرضِ – مَثلَ نَرجسيّتكَ المُعضِلة- يَبعثُ في نَفسِي اطمِئناناً لَم أَشعُر بِه منْ قَبل ، ذَهبتُ لأشتَري باقةَ وُرودٍ مَن ذلكَ المَحلّ الّذي كنتُ أدعُوه “بُستانِي الغَريب” ، مَازلتُ غَافلةً حتّى الآن عن سَببِ تَسميَتهِ هَكذا ، دخلتُ وأنَا بِكاملِ ثِقتي أنَّني لَن أجِدَ البَائعَ نَفسُه الّذي كانَ يَبيعُني ، رَسمتُ في مُخيّلتِي صُورةً لابنَتِه الّتي سَتَستَقبلُني (لا أدرِي لَمَ خَطرَ على بالِي فَتاة) ، ولكنْ دُهشتُ حينَ استَقبَلني هو ، مَازَال حتّى الآن بِنفسِ الابتِسامةِ تِلك والأنَاقة والرّشاقَة مَع تَجاعيدَ تَملأُ وَجههُ البَشوش ، وشيبٌ غَطّى رأسَهُ ..
صَاحَ لي : زَبونَتي المُفضّلة ! ، يا لِتلكَ المُفاجأة المُميَّزة .
صُدِمتُ أنَّه تَذكّرني ، قلتُ : أَتَذُكرنِي ؟ ، لقدْ اشتَقتُ لهذهِ الوُرود و لِبُستَاني .
أَجَابنِي وابتِسامَةٌ- أظهَرتْ تَجاعِيده أكثَر – على وَجهِه : هَل لأحدٍ أنْ يَنسَى هذهِ الوَردةَ الجَميلة !
طَلبُكِ المُعتَاد ؟!
قلتُ بكلِّ حبٍّ وفَرحَة تَغمرنِي : بِكلّ تأكيدْ .
أخذَ يُجهّزُ ليَ طَلَبي والسّعادة قدْ بَدتْ علَيهِ .. تَحدّثنا كَثيراً عمّ دَارَ طِيلةَ السّنَوات الّتي فَاتَتْ ، حَدّثنِي عن ابنَتِه زينة الّتي أنَارتِ الدُّنيا بعدَ رحيلِي من المَدينَة بِسَنة واحِدة وعن المَرضِ الَّذي أصَابَها وكَيفيّة حُدوث فَاجعةِ موتِها ، أنهَينا حَديثَنا ، أمسَكتُ وُرودي وخَرجتُ وأنا كُلّي يَأسٌ لِما حَصلْ وفَرحةٌ بِهذهِ الزّيارة الغَير مُتوقّعة ، فَجأةً وقَعتْ منَ البَاقةِ صُورةٌ لِفتاةٍ مكتوبٌ عليهَا من الخَلف (زينة 2015) ، وقفتُ جَامِدةً ، لِوهلَةٍ ….. لِوهلَةٍ ظَنَنتُها أنا .
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك