ركزت وسائل الإعلام اهتمامها على مدار الأشهر الثلاثة الماضية التي أعقبت سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر الماضي، على مصير التواجد الأجنبي في سوريا. وحظي الوجود الروسي بالحصة الأكبر من تحليلات الخبراء والباحثين في الشأن السوري. وذلك يرتبط بالأهمية الاستراتيجية والعسكرية الكبيرة لروسيا اقليمياً ودولياً، وانتهاج الإدارة السورية الجديدة لسياسية انهاء المشاكل مع كل الدول، بالإضافة لاستمرار اتصالاتها مع القيادة الروسية.
ومع كل استحقاق سياسي أوأمني أو عسكري في سوريا، يطرح المحللون والخبراء نظريات حول الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا من حيث قوتها العسكرية ووزنها السياسي على الساحة الدولية في استقرار الوضع السياسي والأمني والاقتصادي في سوريا.
وفي الظل التطورات الأمنية الخطيرة التي شهدتها مدينة اللاذقية في سوريا، فإن بعض الخبراء والمراقبين يعتقدون بأن روسيا قادرة على مساعدة الإدارة السورية الجديدة بفرض سيطرتها الكاملة وبسط الأمن على كامل الأراضي السورية، وترسيخ قواعد الحكم والسيطرة، خاصة مع ظهور بعض العصابات والميليشيات، التي تم تشكيلها من فلول النظام البائد وبدعم وإشراف من جهات إقليمية كإيران وحزب الله، بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في البلاد، والتشويش على مساعي الإدارة الجديدة في إرساء الأمن وبناء البلاد وإعادة العجلة الاقتصادية للعمل بشكل مستقر.
اشتباكات في مناطق عدّة شمال غرب سوريا
في سياق ذو صلة، أعلنت مديرية الأمن العام في محافظة اللاذقية شمال غرب سوريا، في بيان لها عبر فيس بوك، بأن “مجموعات مسلحة من فلول ميليشيات الأسد هاجمت نقاط عسكرية وحواجز ودوريات أمنية في منطقة جبلة وريفها بمحافظة اللاذقية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بصفوف الأمن العام. كما تعرضت منشآت حكومية وخاصة للهجوم”.
وبحسب مدير الأمن العام في محافظة اللاذقية المقدم مصطفى كنيفاتي: فقد أرسلت السلطات السورية تعزيزات أمنية وعسكرية من وزارة الدفاع ومحافظات أخرى إلى اللاذقية. وأضاف أنه تم صد الهجوم في ريف جبلة، لكن الاشتباكات مستمرة في المدينة نفسها. مبشراً أهالي المدينة بأن قوات وزارة الدفاع تمكنت من امتصاص الهجوم، وستعمل على إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة وحماية ممتلكات المواطنين.
كما فرضت قوات الأمن السوري حظر للتجوال لمدة يومين في اللاذقية وطرطوس بهدف حماية المدنيين خلال العمليات العسكرية.
وكان مصدر أمني سوري أفاد، لوسائل إعلام في وقت سابق، بسقوط 15 قتيل من الأمن العام في كمائن مسلحة لفلول النظام بريف اللاذقية. وعلى إثر الهجمات التي وصفتها السلطات السورية بالمنسقة، بدأت قوات وزارتي الدفاع والداخلية السوريتين عملية أمنية واسعة للقضاء على المسلحين الموالين للنظام السابق وإعادة الاستقرار للمنطقة.
تجمعات أهلية تطالب بالحماية الروسية
في سياق متصل، وإثر التطورات الأمنية الخطيرة التي أشعلت المنطقة، سارع عدد كبير من السكان المحليين من قرى وبلدات ريف اللاذقية حيث تدور العمليات العسكرية والاشتباكات للتجمع أمام القاعدة العسكرية الروسية الموجودة في حميميم مطالبين بالحماية الروسية لهم من أعمال العنف والانتهاكات التي يمكن أن تحدث إثر الاشتباكات والعمليات العسكرية الدائرة في تلك المنطقة.
وهتف المتظاهرون من رجال ونساء وأطفال وعجزة، بعبارات مثل “بدنا الحماية الروسية” وغيرها، دون أي تعليق رسمي روسي حول هذه المظاهرات.
كيف يمكن لروسيا أن تلعب دوراً فعالاً في ضبط الأمن في سوريا؟
تعقيباً على التطورات الأمنية الأخيرة، قال الخبير العسكري محمد سعد الدين الفرحان، بأن روسيا بقواعدها العسكرية ووزنها السياسي والاجتماعي وعلاقاتها الدولية يمكنها أن تلعب دور هام جداً وفعّال بضبط الأمن ومساعدة السلطات السورية الجديدة على فرض السيطرة والأمن على كامل الجغرافيا السورية وخاصة بمنطقة الساحل، وذلك لعدّة أسباب.
وبحسب الفرحان، فإن أول الأسباب وأهمها هو وجود القواعد العسكرية الروسية في الساحل السوري، مع ما تملكه من تكنولوجيا حديثة وقوة عسكرية كبيرة ومتطورة والتي يمكنها أن تساعد بمراقبة الوضع في الساحل وضبط الأمن والسيطرة على تحركات فلول النظام ومكافحتهم أينما وجدوا.
ثانياً، القبول الشعبي الكبير للوجود الروسي من أهالي المنطقة هناك، بدليل المظاهرات التي خرجت اليوم وتطالب بتدخل روسي لحماية المدنيين. بالإضافة للخبرة الكبيرة للروس في تلك المنطقة وجغرافيتها وسكانها وذلك بحكم وجودهم لسنوات هناك.
ثالثاً، علاقة روسيا الجيدة مع جميع الأطراف في سوريا من الأكراد للدروز للسلطات الجديدة إلى أهل الساحل وجميع مكونات الشعب السوري، مما يجعلها قادرة على لعب دور الوساطة في أي نزاع يمكن أن يحصل، وهذا ما أثبت الروس جدارتهم به سابقاً إن كان من خلال اتفاقيات الجنوب أو شرق الفرات أو غيرها.
كما أشار الفرحان إلى أنه بالإضافة لكل ما سبق ذكره، فإن الإدارة السورية تتمتع بعلاقات جيدة مع موسكو ولاتزال الاتصالات مستمرة بين الطرفين، ولم تبدي معارضتها للوجود العسكري الروسي في سوريا، وهذا ما أثبتته تصريحات المسؤولين السوريين، مثل تصريح وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة عندما أكد، خلال مقابلة مع صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية أن بلاده منفتحة على استمرار الوجود العسكري الروسي في قاعدتي طرطوس وحميميم، طالما أن ذلك يخدم المصالح السورية.
تعزيز الجيش السوري وتحقيق التوزان الدولي
أما عسكرياً واستراتيجياً، فقد أكد الباحث في الشؤون السوري سمير ذكريا بأن روسيا ضرورية لسوريا بغض النظر عن طبيعة الحكم. وبالتالي لابد من وجود علاقات جيدة بين الطرفين، مشيراً إلى أن التعاون العسكري السوري مع موسكو قديم جداً ويسبق نظام الأسد. وأشار ذكريا، بأن إعادة بناء جيش سوريا الجديدة سوف تتطلب إما إعادة تسليح كاملة أو الاعتماد على الإمدادات الروسية، مضيفا أنه يمكن للحكومة المؤقتة الاستفادة من خبرات الروس في إعادة بناء الجيش السوري وفي صفقات السلاح وخاصة بعد أن دمّرت إسرائيل حليفة واشنطن كل إمكانيات الجيش السوري، واحتلت أراضي سورية.
وبحسب ذكريا، فإن الوجود الروسي في سوريا له أهمية استراتيجية للحكومة الجديدة من حيث أنه يمكن أن يكون الضامن للتوازن الدولي في ظل وجود دول ذات وزن كبير كواشنطن وتركيا وغيرهم، مما يساعد بشكل أكبر على حفظ الاستقرار وفض الاشتباك ويعزز التفاهمات الدولية. كما أن موسكو تعتبر حليف موثوق لم يحتل أراضي سورية، وتعتبر وسيط مهم للتفاوض بين القيادة السورية الجديدة وتركيا من جهة، والأكراد من جهة أخرى، فهي تتمتع بعلاقات جيدة مع كل هذه الأطراف.
ما ينشر في تبويب “ستوري الحدث والرأي” لا يعبّر بالضرورة عن رأي إدارة موقع “ستوري برس”
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك