شكل سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام الماضي نقطة تحول تاريخية في سوريا، حيث أدخل البلاد في مرحلة انتقالية مليئة بالتحديات والفرص. بعد سنوات من الصراع الدامي، أصبحت سوريا أمام مهمة شاقة تتمثل في إعادة بناء الدولة المنهكة وإصلاح العلاقات مع الدول الأخرى.
تعتبر عودة الدول إلى فتح سفاراتها في دمشق وإعلان دعم الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع بمثابة خطوة مهمة نحو إعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي. هذه التحركات تعكس تغيرًا في المواقف السياسية تجاه سوريا، حيث تسعى الدول إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة من خلال دعم الحكومة الجديدة.
فقد قام أحمد الشرع بزيارات إلى عدة عواصم عربية وغربية، مما يعكس رغبة الحكومة الانتقالية في تعزيز العلاقات مع الدول الأخرى. هذه الزيارات قد تساعد في كسب الدعم السياسي والاقتصادي، وتعزيز التعاون في مجالات مختلفة.
ويقول محللون سياسيون بأن الزيارة إلى دول مثل السعودية وتركيا ومصر تعكس أهمية العلاقات الإقليمية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها سوريا.
وبحسب المحللين فإن قرار رفع العقوبات عن سوريا يمثل تحولًا كبيرًا، حيث كان لهذه العقوبات تأثير كبير على الاقتصاد السوري. هذا القرار سيفتح الأبواب أمام تدفق الاستثمارات الدولية، مما يعزز من فرص إعادة الإعمار.
تواجه سوريا بالفعل مجموعة من التحديات الكبيرة التي تعقد جهود إعادة الإعمار والاستقرار في البلاد، رغم الانفتاح السياسي والاقتصادي الذي تشهده. إليك بعض النقاط الرئيسية حول هذه التحديات:
وفي المقابل فإن سعي كل من تركيا وإسرائيل إلى تعزيز نفوذها في سوريا، مما يزيد من التعقيدات السياسية والأمنية. تركيا تهدف إلى حماية مصالحها الأمنية في الشمال السوري وتثبيت وجودها العسكري، بينما تركز إسرائيل على منع إيران من تعزيز وجودها العسكري في البلاد.
هذا التنافس قد يؤدي إلى تصعيد النزاعات ويزيد من عدم الاستقرار، مما يعيق جهود الحكومة السورية في استعادة السيطرة على جميع أراضيها.
وفي السياق فإن استمرار الهجمات الإسرائيلية على أهداف في الجنوب السوري، مما يعكس القلق الإسرائيلي من وجود المجموعات المدعومة من إيران. هذه الهجمات تساهم في زيادة عدم الاستقرار وتؤثر سلبًا على الأمن الداخلي.
استمرار هذه الهجمات يعوق جهود إعادة الإعمار، حيث تتعرض البنية التحتية والمرافق الحيوية للتدمير، مما يزيد من تكلفة إعادة البناء.
ويقول خبراء استراتيجيون بأن نجاح عملية إعادة الاعمار تتطلب تعاونًا دوليًا واسعًا، بما في ذلك الدعم المالي والتقني من الدول المانحة والمنظمات الدولية. لكن هذا التعاون قد يكون مشروطًا بتحقيق تقدم في العملية السياسية والمصالحة الوطنية.
تظل سوريا أمام تحديات متعددة ومعقدة تتطلب استراتيجيات شاملة وتعاونًا دوليًا فعّالًا. يجب أن تكون الأولوية لتحقيق الأمن والاستقرار قبل الشروع في جهود إعادة الإعمار، مع ضرورة معالجة القضايا السياسية والاجتماعية لضمان مستقبل مستدام للبلاد.
وتبدو العلاقة بين أنقرة ودمشق في الآونة الأخيرة أكثر تعقيدًا، حيث تحولت من دعم تركي سابق للمعارضة السورية إلى شراكة متعددة الأوجه. إليك تحليلًا لبعض الجوانب الرئيسية لهذه العلاقة:
فقد أبرمت تركيا اتفاقيات مع الحكومة الانتقالية السورية لتعزيز التعاون في مجالات مختلفة، مما يعكس رغبة كلا الجانبين في تحسين العلاقات وتجاوز الخلافات السابقة.
وتتضمن هذه الاتفاقيات مشاريع لإعادة إعمار البنية التحتية، مما يسهم في تحسين الظروف الاقتصادية في المناطق المتضررة من النزاع.
في السياق فإن روسيا تعتبر لاعبًا رئيسيًا في الصراع السوري، وقد حافظت على وجودها العسكري والاستراتيجي في البلاد رغم التغيرات السياسية والأمنية.
وتسعى روسيا إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي من خلال التفاوض على استثمارات في قطاعات الطاقة والموانئ والبنية التحتية. هذه الاستثمارات تهدف إلى إعادة إعمار سوريا بعد النزاع وتعزيز التعاون بين البلدين.
وتعتبر روسيا شريكًا رئيسيًا في مشاريع إعادة الإعمار، حيث تسعى للاستفادة من الموارد الطبيعية والاقتصادية السورية، مما يعزز من وجودها في المنطقة.
وبحسب البيانات، تم تحميل ناقلة النفط “ميتزل”، بنحو 140 ألف طن من النفط الروسي في ميناء مورمانسك في القطب الشمالي وتتجه إلى ميناء بانياس السوري، الذي استقبل بالفعل عدة شحنات من هذا النفط، وفقاً لـ”رويترز”. كما أظهرت البيانات ذاتها أن الناقلتين سكينة وأكواتيكا شحنتا نفط من روسيا إلى سوريا في مارس/آذار، وتلتهما الناقلة سابينا في أبريل/نيسان. فيما بلغ إجمالي إمدادات النفط الروسية التي استقبلتها سوريا نحو 350 ألف طن، أي نحو 2.6 مليون برميل، منذ بداية العام.
من جهة أخرى، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخراً أن “الحكومة السورية تتفاوض على صفقات مع كل من تركيا وروسيا للحصول على دعم عسكري مستقبلي من كليهما”. وقال: “تركيا لديها وجود عسكري في سوريا، وروسيا أيضا، ولكن ألغيت كل الاتفاقيات السابقة، ونحن بصدد صياغة اتفاقات جديدة”.
وأضاف أن “أي اتفاقات جديدة يجب أن تضمن استقلال سوريا، واستقرارها الأمني، وألا يشكل وجود أي دولة تهديدا أو خطرا على دول أخرى انطلاقا من الأراضي السورية”، وأكد أن “روسيا عضو دائم في مجلس الأمن، وأسلحتنا بالكامل روسية”، موضحاً أن “هناك اتفاقيات غذاء وطاقة مع روسيا منذ سنوات ويجب أخذ هذه المصالح السورية في الاعتبار”. وتابع “نحن منفتحون على شراء أسلحة إضافية من روسيا ودول أخرى، وإن بضعة أشهر لا تكفي لتأسيس جيش لبلد بحجم سوريا وهذا تحد كبير في حد ذاته وسيستغرق الأمر بعض الوقت”.
وبنظر الخبراء، فإن روسيا تبرز كشريك استراتيجي أساسي في سوريا ما بعد الأسد، فبالإضافة الى كونها مورداً هاماً للطاقة والقمح والسلاح لسوريا، هي قادرة على خلق توازن القوى الآنف ذكره. فقد لعبت موسكو دوراً محورياً في خفض التصعيد خلال السنوات الماضية من خلال التنسيق مع تركيا في تنفيذ اتفاق سوتشي 2019 وتسيير دوريات مشتركة في شمال سوريا، كما ساهمت في الوساطة بين الأطراف السورية عبر تفعيل لجان المصالحة المحلية. واستخدمت روسيا نفوذها الدولي في مجلس الأمن لموازنة النفوذ الغربي والإسرائيلي، مستخدمةً حق النقض لحماية مصالح دمشق.
وعزز الخبراء كلامهم بتصاعد التواصل في الفترة الأخيرة ما بين روسيا وسوريا، وقد عبّر المسؤولون الروس مراراً عن استعداد الدولة الروسية لتعميق التعاون مع سوريا في جميع المجالات المطروحة على الطاولة الثنائية، والتزامهم التام بوحدة سوريا واستقرارها، ناهيك عن الخطوات الفعلية التي اتخذت على الأرض، إضافة الى وصول شحنات من المساعدات الإنسانية للشعب السوري.
وفي السياق، نقلت صحيفة إزفيستيا الروسية نهاية الشهر الماضي، عن مصدر مطلع، قوله إن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني قد يزور روسيا، وسط توقعات بأن تعزز الزيارة الاتصالات بين موسكو ودمشق. وقال المصدر إن “الجانب السوري يجري النظر في إمكانية إجراء مثل هذه الزيارة”، دون الكشف عن موعد محدد لها.
وسبق لوزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، أن أعرب عن ترحيب بلاده برفع العقوبات الأميركية عن سورية. وحينها، أكد لافروف في ختام محادثاته مع نظيره التركي، هاكان فيدان، في موسكو أن الدعوة الروسية للشيباني إلى زيارة روسيا، لا تزال سارية المفعول، قائلاً: “بدعوة طيبة من صديقي هاكان فيدان، التقينا بحضوره وزير الخارجية السوري الشيباني، وقد تلقى دعوة إلى زيارة روسيا”، في إشارة إلى لقاء جمع لافروف مع الشيباني في تركيا.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك