تصدرت أخبار سوريا عناوين وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي عقب التطور المفاجئ الذي تمثل في سقوط نظام الرئيس بشار الأسد وسيطرة المعارضة المسلحة على العاصمة دمشق في 8 ديسمبر الجاري. الحدث، الذي يُعد نقطة تحول كبيرة في تاريخ سوريا الحديث، أطلق موجة من التفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تكشفت حقائق جديدة حول قضايا طالما حاول النظام التعتيم عليها، مثل ملف المعتقلين.
بعد أكثر من عقد من الصراع الدموي، غادر الأسد البلاد، تاركاً المعارضة المسلحة تتولى زمام الأمور. وفي اجتماع رسمي بتاريخ 10 ديسمبر، أعلنت الحكومة المؤقتة بقيادة محمد البشير تسلم السلطة، بحضور رئيس الوزراء الانتقالي محمد الجلالي.
تحديات الحكومة المؤقتة
ترث الحكومة المؤقتة إرثًا ثقيلًا من الفساد والتحديات التي تركها النظام السابق. ويقول مراقبون إن على الحكومة الجديدة، بقيادة البشير، التصدي لمسؤوليات ضخمة تتنوع بين السياسية والأمنية والاقتصادية والدبلوماسية، إلى جانب مهمة إعادة إعمار ما دمرته الحرب ومعالجة آثار 54 عامًا من استبداد النظام السابق.
الأطراف المتداخلة في الصراع
لعبت قوى إقليمية ودولية دورًا كبيرًا في تعقيد الصراع السوري على مدار السنوات الماضية. فقد دعمت إيران وحزب الله اللبناني وبعض المجموعات العراقية النظام السوري، فيما بدأ التدخل الروسي منذ عام 2015 لدعمه عسكريًا. في المقابل، تلقت المعارضة المسلحة دعمًا من تركيا وقطر والسعودية والإمارات، إلى جانب مساندة أردنية ومصرية وعربية عامة.
تركيا، التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال سوريا، نفذت سياسات توسعية في المناطق الحدودية، بينما استغلت الولايات المتحدة الفوضى والتذرع بمحاربة الإرهاب لتعزيز وجودها العسكري والسيطرة على مناطق غنية بالثروات الباطنية في شمال وشرق سوريا. كذلك، نفذت إسرائيل ضربات متكررة استهدفت مواقع سورية وإيرانية ومنشآت تابعة لحزب الله على مدار السنوات الماضية.
مستقبل التفاهمات والاتفاقيات
مع تغير المشهد السياسي السوري، تثار تساؤلات حول مصير التفاهمات التي أبرمتها حكومة الأسد مع مختلف الأطراف.
ويؤكد خبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب قيادة سياسية واعية تعمل على إعادة تقييم هذه الاتفاقيات، بما يحقق مصلحة الشعب السوري ويعزز الاستقرار.
في هذه المرحلة الحساسة، تجد الحكومة المؤقتة نفسها أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء سوريا بطريقة تعزز سيادتها وتضع حداً لعقود من التدخلات الخارجية. التحديات ضخمة، لكن الآمال معقودة على قدرة القيادة الجديدة على اتخاذ قرارات استراتيجية تخدم مستقبل البلاد.
الخطوة التالية
في هذا السياق أكد الباحث المتخصص في الشأن السوري، حنا حوشن، أن الإدارة السياسية للمعارضة السورية المسلحة تحتاج إلى اتخاذ خطوات جدية لإثبات حسن النية وتعزيز الشرعية أمام المجتمع الدولي، الذي ما زال ينظر إليها بشكوك باعتبارها “جهادية وإرهابية”. وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من القيادة السياسية للفصيل الأبرز في المعارضة، هيئة تحرير الشام، الالتزام بالقوانين الدولية وضمان الأمن العام في المناطق التي تسيطر عليها.
وأضاف حوشن أن على هيئة تحرير الشام منع أي عمليات انتقامية أو أعمال عنف ذات طابع طائفي أو سياسي، بالإضافة إلى حماية البعثات الدبلوماسية وممثلي الدول الأجنبية في سوريا، مع توفير بيئة آمنة تحترم القوانين الدولية.
خطوات إيجابية نحو الاستقرار
وأشار حنا إلى أن المعارضة المسلحة بدأت فعلاً في اتخاذ خطوات إيجابية، مثل تشكيل حكومة إنقاذ وطنية، وإطلاق حملة لجمع السلاح وضبط الفوضى الأمنية، واعتقال الخارجين عن القانون. كما بدأت المعارضة بإجراء اتصالات مع جهات دولية، مما يمثل تطورًا ملموسًا نحو تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي.
فتح صفحة جديدة مع الدول العربية
وفيما يخص العلاقات العربية والإقليمية، شدد حوشن على أهمية أن تبادر القيادة السياسية للمعارضة بفتح صفحة جديدة نظيفة تسودها علاقات التعاون والتنمية مع الدول المجاورة، خاصة الأردن والعراق والإمارات ومصر. وأشار إلى أن استئناف بعض الدول لعمل بعثاتها الدبلوماسية في دمشق، مثل مصر والأردن والعراق والإمارات والبحرين وسلطنة عمان، يعد مؤشرًا إيجابيًا يمكن البناء عليه لتحقيق تعاون مثمر.
وأوضح حوشن أن الدول العربية قادرة على تقديم دعم كبير للمعارضة من خلال التعاون السياسي والاقتصادي، بما يعزز الاستقرار في سوريا والمنطقة بأكملها.
التعاون الدولي: روسيا والصين في المقدمة
على الصعيد الدولي، دعا حوشن المعارضة السورية إلى إعادة النظر في علاقاتها الخارجية، خاصة مع إيران، التي قال إنها تسعى لنشر أيديولوجيتها الدينية ومشروعها التوسعي، ولا تقدم نموذجًا للتعاون الموثوق القائم على احترام سيادة الدول.
وأشار إلى أن التعاون مع روسيا يمكن أن يكون خيارًا استراتيجيًا مهمًا، موضحًا أن موسكو أثبتت أنها شريك موثوق، لم تسعَ لاحتلال الأراضي السورية أو سرقة ثروات الشعب مثلما فعلت واشنطن، أو تدمير الجيش السوري كما فعلت تركيا وإسرائيل.
الاستفادة من الخبرات الروسية
وأضاف حوشن أن روسيا، التي تمتلك أكثر من 100 نقطة عسكرية في سوريا، يمكن أن تساهم في إعادة بناء الجيش السوري ودعم الحكومة المؤقتة في صفقات السلاح، بالإضافة إلى دورها في الحفاظ على التوازن الدولي والتأثير على القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل.
أهمية الصين والدول الأوروبية
كما أشار حوشن إلى أهمية الحفاظ على علاقات جيدة مع الصين، التي تُعد قوة عظمى ذات تأثير كبير في المنطقة، إلى جانب بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا والسويد، التي استقبلت أعدادًا كبيرة من اللاجئين السوريين.
فرصة تاريخية ومسؤوليات كبيرة
وختم حوشن حديثه بتوجيه نصيحة إلى الحكومة المؤقتة، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب الحذر والانتباه لكل التفاصيل، لما لها من تأثير كبير على مستقبل سوريا وشعبها والمنطقة بشكل عام. ودعاها إلى استغلال هذه الفرصة التاريخية لبناء دولة مستقرة ومتعاونة مع جميع الأطراف الإقليمية والدولية.
ستوري برس ستوري برس.. قصتك وحكايتك